اجتمع الكثير العلماء والمفكرين والباحثين أيام 20- 21- 20 نونبر 2014 في الملتقى الثاني للباحثين في السيرة النبوية والذي حمل عنوان مهما "أفاق خدمة السيرة النبوية " نظمته مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع) بتعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجلس العلمي الأعلى ، قدمت خلال هذا الملتقى بحوث مهمة وقد لقي محور فقه السيرة النبوية في مجال التربية والاجتماع والسياسية ومناهج الإصلاح والتغيير اهتماما كبيرا إضافة إلى محور تقريب السيرة النبوية وتيسيرها، ولأن الخوض في جميع العروضوالبحوث والمسائل التطبيقية يصعب ويطول ولا يمكن استيفاء جميع المحاور فسأقتصر على ذكر بعض الأفكار التي رأيت أـنها تفتح أفقا رحبة لخدمة السيرة النبوية فقها وتنزيلا .
إن السيرة النبوية العطرة وهي تتحدث عن سيد ولد آدم وخير البشر وخاتم النبيين، تحكي سيرة إنسان أكرمه الله بالرسالة بعيدة عن الأسطورة( التي وتكثر من الخيال مقابل القليل من الحقيقة ) حتى تكون بذلك تجربة إنسانية نموذجية يقتدى بها في بناء الإنسان والسلطان والعمران، وقد كتب الله لها أن تكون تجربة كاملة وشاملة وواضحة ونموذجية في إخراج البشرية من الجهل والتخلف إلى نور الهداية والشهود الحضاري ،والمسلمون قرءوا هذه المرحلة بمناهج متعددة تفرقت بين السرد التاريخي والتوثيق لأحداث السيرة وفق الترتيب الزماني وبين المنهج التحليلي الذي يجمع بين الأحداث وعبرها والدروس التي يمكن أن تستفاد منها وبين الدراسة الموضوعية للسيرة التي تركز على جانب من جوانب حياته العسكرية أو السياسية أو القيادية والاجتماعية وتسلط الضوء عليها.
وإذا كان العلماء السابقين كما قال د سعيد شبار بذلوا جهودا علمية في تدوين السنة و توثيقها السنة وتمييز صحيحها من ضعيفها ومواجهة الشبهات و الادعاءات الاستشراقية وغيرها فإن الجهود والأبحاث في هذه المرحلة ينبغي أن تجعل من السيرة مصدر للمعرفة والحضارة والتربية والتعليم والإصلاح والإبداع مع استثمار السيرة في بناء قيم الوحدة والتآلف بين طوائف الأمة وتياراتها الفكرية والسياسية التي تعاني الفرقة والتشتت لأسباب مختلفة منها القراءة الجزئية و المتحيزة والإيديولوجية لبعض وقائع السيرة المغيبة للقراءة الكلية والنسقية للسيرة النبوية وفي ضوء خصائص القرآن وقيمه الكلية ومقاصد النبوة الخاتمة القائمة على والتوحيد والوحدة والعالمية وفلسفة التكريم و الاستخلاف و الوسطية والاعتدال و الرحمة للعالمين... .
وقد نبه المفكر الجزائري الطيب برغوت إلى أن القراءة التجزيئية والتبعيضية للسيرة مقتلة أدت إلى بناء تصورات مضطربة ومشوشة ومتعارضة ، حيث أشار إلى أن التعامل المنهجي هو أفضل طريق للتعامل مع السيرة العطرة مع الحرص على القراءة الشمولية المستوعبة ، وقد بين أن السلوك النبوي عموما وفي مختلف الأحوال كان دائما مؤطرا بقوانين منها قانون الفاعلية، وللفاعلية عند الطيب برغوت شروط محورية حصرها في الهم التنفيذي أو المنطق العملي و الانجاز الوظيفي والهدفية المنضبطة والمشروعية المتوازنة وفقه التخطيط التكاملي وفقه التنسيق الفعال وفقه الإتقان النوعي وفقه المتابعة الدائمة وفقه المراجعة والتقويم المستمرين وفقه الاقتصاد في استعمال الإمكانات وفقه سرعة الانجاز الوظيفي أو التسخيري وفقه الحماية للمنجز الاجتماعي .
أحد الباحثين دعا إلى القراءة السننية للسيرة و إلى اكتشاف القوانين المضطردة وسنن النهوض لأن هذا
النمط من القراءات سيؤدي إلى وعي أعمق بمركزية السيرة ومحوريتها في مشاريع النهوض والتجديد و ترشيد الاختيارات وتحقيق الأهداف .
وفي مجال التربية والتعليم كشف أحد المتدخلين حجم النقص في ما يقدم للتلاميذ من السيرة النبوية فالتلميذ المغربي مثلا يدرس ستة وعشرون ساعة فقط من السيرة طيلة سنواته الدراسية وهذا ما يبرر الجهل بحياة النبي صلى الله عليه وسلم و غياب النموذج الصحيح بالنسبة للشباب، واقترح كتابة مؤلف حول السيرة للسلك الابتدائي لأهمية مرحلة الطفولة في بناء القيم و الشخصية المتوازنة.
إن الاهتمام بالسيرة تأليفا ودراسة وفهما وتنزيلا في العقود الأخيرة يعرف تزايدا ، اهتمام لم يعد قاصرا على الجانب التوثيقي أوالتعامل العاطفي، هذا المنحى ينبغي أن يتوجه إلى استثمار السيرة في امتلاك نظريات عامة تبني ذات الأمة في جميع المجالات وتنافس الآخر وتصحح الانحرافات والهفوات وترد على الشبهات.
الكاتب