أسامة شحادة يكتب: مدرسة الإمام الألباني (1)

تشهد الأمة الإسلامية صحوة إسلامية عامة، تشكل الدعوة السلفية امتدادها العلمي والشرعي [1]، وذلك لأسباب عدة منها : - طبيعة الدعوة السلفية الداعية للتوحيد والعلم والاجتهاد، ومحاربة الشرك والخرافة والجهل. - تأثير دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، والتي شكلت نموذج عملي للنهضة والوحدة. - أغلب المصلحين المعاصرين كانوا من الدعوة السلفية أو متأثرين بها،رشيد رضا،ابن باديس،الألوسي، القاسمي، القسام، صديق حسن خان، الشوكاني. ومن هؤلاء العلماء السلفيين المعاصرين الذين له تأثير قوي وكبير ، العلامة محمد ناصر الدين الألباني ، والذي سيكون محور دراسة هذه الورقة . أولا : ترجمة العلامة الألباني ( 1914م – 1999م )[2] : مولده ونشأته : ولد الشيخ محمد ناصر الدين بن الحاج نوح الألباني عام 1333 هـ الموافق 1914 م في مدينة أشقودرة عاصمة دولة ألبانيا - حينئذ - عن أسرة فقيرة متدينة يغلب عليها الطابع العلمي، فكان والده مرجعاً للناس يعلمهم و يرشدهم. هاجر بصحبة والده إلى دمشق الشام للإقامة الدائمة فيها بعد أن انحرف أحمد زاغو (ملك ألبانيا) ببلاده نحو العلمانية وتقليد أتاتورك . أتم العلامة الألباني دراسته الإبتدائية في مدرسة الإسعاف الخيري في دمشق بتفوق. نظراً لرأي والده الخاص في المدارس النظامية من الناحية الدينية، فقد قرر عدم إكمال الدراسة النظامية ووضع له منهجاً علمياً مركزاً قام من خلاله بتعليمه القرآن الكريم، والتجويد، والنحو والصرف، وفقه المذهب الحنفي، و قد ختم الألباني على يد والده حفظ القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم، كما درس على الشيخ سعيد البرهاني مراقي الفلاح في الفقه الحنفي و بعض كتب اللغة والبلاغة، هذا في الوقت الذي حرص فيه على حضور دروس و ندوات العلامه بهجة البيطار. أخذ عن أبيه مهنة إصلاح الساعات فأجادها حتى صار من أصحاب الشهره فيها، و أخذ يتكسب رزقه منها، وقد وفرت له هذه المهنه وقتاً جيداً للمطالعة والدراسة، وهيأت له هجرته للشام معرفة باللغة العربية والاطلاع على العلوم الشرعية من مصادرها الأصلية. توجهه إلى علم الحديث واهتمامه به: على الرغم من توجيه والد الألباني المنهجي له بتقليد المذهب الحنفي وتحذيره الشديد من الاشتغال بعلم الحديث، فقد أخذ الألباني بالتوجه نحو علم الحديث وعلومه، فتعلم الحديث في نحو العشرين من عمره متأثراً بأبحاث مجلة المنار[3] التي كان يصدرها الشيخ محمد رشيد رضا (رحمه الله) وكان أول عمل حديثي قام به هو نسخ كتاب "المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار" للحافظ العراقي (رحمه الله) مع التعليق عليه. كان ذلك العمل فاتحة خير كبير على الشيخ الألباني حيث أصبح الاهتمام بالحديث وعلومه شغله الشاغل، فأصبح معروفاً بذلك في الأوساط العلمية بدمشق، حتى إن إدارة المكتبة الظاهرية بدمشق خصصت غرفة خاصة له ليقوم فيها بأبحاثه العلمية المفيدة، بالإضافة إلى منحه نسخة من مفتاح المكتبة حيث يدخلها وقت ما شاء، أما عن التأليف والتصنيف، فقد ابتدأهما في العقد الثاني من عمره. كان لاشتغال الشيخ الألباني بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أثره البالغ في التوجه السلفي للشيخ، وقد زاد تشبثه و ثباته على هذا المنهج مطالعته لكتب شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم وغيرهما من أعلام المدرسة السلفية. دعوة العلامة الألباني: حمل الشيخ الألباني راية الدعوة إلى التوحيد والسنة في سوريا حيث زار الكثير من مشايخ دمشق وجرت بينه وبينهم مناقشات حول مسائل التوحيد والإتباع والتعصب المذهبي والبدع، فلقي الشيخ لذلك المعارضة الشديدة من كثير من متعصبي المذاهب ومشايخ الصوفية والخرافيين والمبتدعة، فكانوا يثيرون عليه العامة والغوغاء ويشيعون عنه بأنه "وهابي ضال" ويحذرون الناس منه، هذا في الوقت الذي وافقه على دعوته أفاضل العلماء المعروفين بالعلم والدين في دمشق، والذين حضوه على الاستمرار قدماً في دعوته ومنهم، العلامة بهجت البيطار، الشيخ عبد الفتاح الإمام رئيس جمعية الشبان المسلمين في سوريا، الشيخ توفيق البزرة، وغيرهم من أهل الفضل والصلاح (رحمهم الله) [4]. وقد لقيت دعوة الشيخ قبول بين أوساط المثقفين وطلاب جامعة دمشق ، لأنهم يستطيعون فهم دعوة الشيخ بعكس عامة الناس الأميين الذين تسيطر عليهم الخرافة والتصوف، وقد ذكر هذا الأديب السعودي عبد الله بن خميس حين زار دمشق [5]. نشاطاته: * كانت له دروس علمية يعقدها مرتين كل أسبوع حيث يحضرها طلبة العلم وبعض أساتذة الجامعات و من الكتب التي كان يدرسها في حلقات علمية: فتح المجيد لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب. الروضة الندية شرح الدرر البهية للشوكاني شرح صديق حسن خان. أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير شرح احمد شاكر. منهاج الإسلام في الحكم لمحمد أسد. فقه السنه لسيد سابق. * رحلاته الشهريه المنتظمة التي بدأت بأسبوع واحد من كل شهر ثم زادت مدتها حيث كان يقوم فيها بزيارة المحافظات السورية المختلفة، بالإضافة إلى بعض المناطق في المملكة الأردنية قبل استقراره فيه، هذا الأمر دفع بعض المناوئين لدعوة الألباني إلى الوشاية به عند الحاكم مما أدى إلى سجنه. سجنه: تعرض الشيخ الألباني للسجن مرتين، الأولى كانت قبل 67 حيث اعتقل لمدة شهر في قلعة دمشق وهي نفس القلعة التي اعتقل فيها شيخ الإسلام (ابن تيمية)، وعندما قامت حرب 67 رأت الحكومة أن تفرج عن جميع المعتقلين السياسيين. لكن بعدما اشتدت الحرب عاد الشيخ إلى المعتقل مرة ثانية، ولكن هذه المرة ليس في سجن القلعة، بل في سجن الحسكة شمال شرق دمشق، وقد قضى فيه الشيخ ثمانية أشهر، وخلال هذه الفترة حقق مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري واجتمع مع شخصيات كبيرة في المعتقل. بعد أحداث حماة هاجر الشيخ إلى الأردن وبقي فيها حتى توفي عام 1999م رحمه الله. محطات متفرقة من حياة الشيخ: كان الألباني يحضر ندوات العلامة الشيخ محمد بهجت البيطار مع بعض أساتذة المجمع العلمي بدمشق، منهم عز الدين التنوحي إذ كانوا يقرؤن "الحماسة" لأبي تمام. اختارته كلية الشريعة في جامعة دمشق ليقوم بتخريج أحاديث البيوع الخاصة بموسوعة الفقه الإسلامي، التي عزمت الجامعة على إصدارها عام 1955م. اختير عضواً في لجنة الحديث، التي شكلت في عهد الوحدة بين مصر و سوريا، للإشراف على نشر كتب السنة و تحقيقها. كانت علاقة الشيخ بجماعة الإخوان المسلمين قوية وخاصة بدمشق، فقد كان بعض قادة الإخوان من مَن يحضرون دروسه كالأستاذ عصام العطار، والشيخ زهير الشاويش وغيرهم. شارك الشيخ الألباني جماعة الإخوان في الجهاد للدفاع عن فلسطين. طلبت إليه الجامعة السلفية في بنارس "الهند" أن يتولى مشيخة الحديث، فاعتذر عن ذلك لصعوبة اصطحاب الأهل و الأولاد بسبب الحرب بين الهند و باكستان آنذاك. طلب إليه معالي وزير المعارف في المملكة العربية السعودية الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ عام 1388 هـ ، أن يتولى الإشراف على قسم الدراسات الإسلامية العليا في جامعة مكة، وقد حالت الظروف دون تحقيق ذلك. اختير عضواً للمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من عام 1395هـ إلى 1398هـ. لبى دعوة من اتحاد الطلبة المسلمين في أسبانيا، وألقى محاضرة مهمة طبعت فيما بعد بعنوان "الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام". زار قطر وألقى فيها محاضرة بعنوان "منزلة السنة في الإسلام". انتدب من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله رئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء للدعوة في مصر والمغرب وبريطانيا للدعوة إلى التوحيد والاعتصام بالكتاب والسنة والمنهج الإسلامي الحق. زار الكويت والإمارات وألقى فيهما محاضرات عديدة، وزار أيضا عدداً من دول أوروبا، والتقى فيها بالجاليات الإسلامية والطلبة المسلمين، وألقى دروساً علمية مفيدة. للشيخ مؤلفات ربت على المائة، وترجم كثير منها إلى لغات مختلفة، وطبع أكثرها طبعات متعددة من أبرزها، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وصفة صلاة النبي. حصل الشيخ على جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام 1419هـ / 1999م. ثانياً : دراسة مراحل دعوة الألباني: بعد أن بينا سيرة الشيخ ودعوته، يمكن لنا أن ندرس مراحل دعوته، وذلك أن دعوة الشيخ لحقها ظلم وتجنى من أحباب الشيخ وخصومه.   من الملاحظ تأثير البيئة على الشيخ، فالشيخ هاجر من بلده خوفاً على دينه من بطش الحكومة المعادية للإسلام، ولذلك نجد الشيخ يجعل استئناف الحياة الإسلامية وتطبيق حكم الله من صلب دعوته. كما أن مطالعته لمجلة رشيد رضا "المنار" -والتي كانت بحق وزارة إعلام وخارجية للعالم الإسلامي- كان لها دور مهم في تكوين الشيخ الثقافي وشمولية نظرته[6]، فلذلك حقق الشيخ كتاب "حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام" لرشيد رضا. كذلك وجود الشيخ في بيئة منفتحة ومشاركته علماء عصره، العلامة البيطار وأساتذة الجامعة وغيرهم، تجعل الشيخ يدرس كتاب "منهاج الإسلام في الحكم" لمحمد أسد، المستشرق اليهودي الذي أسلم، وتوضح أهمية الجانب السياسي في فكر الشيخ. كما أن سفر الشيخ مبكراً لأوربا وبعض البلاد الإسلامية، والتدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، أتاح للشيخ أن يحتك بالعلماء الكبار كالعلامة أحمد شاكر والشيخ حامد الفقي والشيخ عبد الرزاق حمزة والدكتور تقي الدين الهلالي والأستاذ محب الدين الخطيب، ومن إدارة الجامعة الإسلامية العلامة محمد بن إبراهيم وبعده العلامة ابن باز وبالمدرسين في الجامعة والطلاب من بلاد شتى، جعل الشيخ يطلع على كثير من مشاكل وتجارب العمل الإسلامي، مما مكن الشيخ من تكوين رؤيته السلفية الخاصة بالتغيير والنهضة، هذه الرؤية التي تعد أساس الفكر السلفي الدعوى والحركي المعاصر إن صح التعبير. وأيضاً هذا الاحتكاك والسفر جعل دعوة الشيخ تصل إلى أماكن عديدة رغم ضعف وسائل الاتصال في ذاك الزمن. للبحث صلة --------------------------- هوامش [1] انظر مقال " سلفية الصحوة، وصحوة السلفية " لرضا صمدي على شبكة الإنترنت. [2] محمد إبراهيم الشيباني، حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه، الدار السلفية، الكويت، ط1 1987م. محمد حامد الناصر، علماء الشام في القرن العشرين، دار المعالي، الأردن ط1، 2003 م، ص 175. موقع العلامة الألباني على شبكة الإنترنت www.alalbany.net. [3] عصام موسي هادي، حياة الألباني بقلمه، المكتبة الإسلامية، الأردن، ط1 1422هـ، ص 6 . محمد إبراهيم الشيباني، حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه ، الدار السلفية – الكويت ، ط1 1987م ، ص 46/1. [4] محمد حامد الناصر، علماء الشام في القرن العشرين، دار المعالي، الأردن ط1، 2003 م، ص 179. [5] عبد الله خميس، شهر في دمشق، 1955م، ص 74. بواسطة محمد حامد الناصر، ص 185. [6] محمد إبراهيم الشيباني، حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه، الدار السلفية – الكويت ، ط1 1987م ، ص 400/1.
الكاتب

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.