آفاق الإصلاح في الأردن

   إن الأوطان تحتاج في المواقف المفصلية علاوة على الحراك الشعبي الملتزم المعبر عن هموم الشعب وقضاياه الوطنية الرئيسية، تحتاج إلى من يتنطعون للمحاكمة العقلية للأوضاع والظروف العامة للوصول إلى توافق على الأساليب المثلى للحلول وتجاوز ما قد ينجم من سلبيات أو انحراف عن السبيل.    وهنا يأتي دور طرفين، الدعاة والوعاظ والأكاديميون من جهة والسياسيون من جهة أخرى، فكل له دور هام وإن بدا لنا فارق بين الدورين إلا أنهما متكاملان لا يصلح أحدهما إلا بوجود الآخر إذا أردنا الوصول إلى شاطئ السلامة متجاوزين كل المنعطفات الخطرة.    إن الداعية والمفكر والواعظ هو الذي يصوغ ضمير الأمة، ويرسم لها طريق المستقبل وفق فلسفة ينطلق منها، سماوية كانت أو أرضية، وهو الذي يستمر مهما ادلهمت الخطوب واستقوت على الأوطان قوى الهيمنة مطالباً بتجذير عناصر القوة وتجاوز عناصر الضعف، حتى تستطيع الأمة ولو بعد حين استعادة حقوقها وأخذ دورها على المسرح العالمي ... إلا أن هذا الداعية بحكم موقعه ودوره ليس مسؤولاً عن التطبيق الفعلي الواقعي الآني لما يقول، فهو يرسم الطريق، ويطالب السلطة والشعب بالسير عليها.   أما السياسي فهو الذي يعرف عناصر القوة في المجتمع ويحاول دائماً الاستقواء بها، ويعرف عناصر الضعف أو التحديات التي لا يخلو مجتمع منها ويحاول تخفيف آثارها تمهيداً لتجاوزها حتى لا تظل تنخر في جسد الوطن وتجعله عرضة للاختراق والهيمنة. والسياسي كذلك من واجبه أن يعرف موازين القوى الإقليمية والدولية التي تؤثر على الوطن، وأن يمارس من الوسائل والأساليب ما يجنب الوطن الوقوع في أيدي هذه القوى، أو على الأقل إضعاف تأثيرها على الوطن.   إن هذين الدورين متكاملان وغير متناقضين، إلا إذا أسيء فهمهما، بحيث يحاول أحدهما إلغاء الآخر وممارسة الدورين معاً، وعندها يفقد الوطن بوصلته، ويحتدم الصراع في الداخل بدلاً من التصدي لقوى الهيمنة الإقليمية والدولية.   لقد تراجع دور السياسي في بلدنا، حتى اختفى، فتنطع لهذا الدور قادة إداريون أو اقتصاديون نظرتهم للعمل العام قاصرة، وهم في كثير من الأحيان لا يعرفهم الناس ولا يعرفون الناس، وهي معرفة بمفهوم القضايا والهموم الوطنية، والقوى المجتمعية الفاعلة، والأسلوب الأمثل للأداء.   تقوقع السياسيون، إذا كان قد بقي منهم الكثير، وهم يتلقون سهام الاتهامية المسبقة التي لا تحتاج إلى دليل، فهم الحرس القديم أو قوى الشد العكسي أو أصحاب الأجندات الخاصة والصالونات والفكر العرفي أو المحافظ على المكاسب، والقاموس يتسع يوماً بعد يوم. وإذا كان البعض قد استعذب الصمت، حتى لا يلتزم أو لا يدان، فهل يحق لي والوطن في موقف مفصلي، والأمة كلها تتجاذبها عناصر القوة والضعف وتحركها يميناً ويساراً أو تقف بها على الحافة، أن لا أتحدث فأسلم؟ هل هذا هو الواجب الوطني؟.   الوطن العربي يعيش زلزالاً أو تسونامي لن يبقي حجراً على حجر، وأقطارنا تتبادل التأثر والتأثير، ولن يسلم قطر واحد من مترتبات الزلزال.   الأردن يمر في مرحلة حرجة، ولا يجوز أن يعني ذلك التخويف أو التشاؤم، فالتشخيص لا بد أن يكون مقدمة للعلاج. وقد تعودنا في الأردن التعرض للعديد من المواقف الحرجة كما تعلمنا وأحياناً بثمن باهظ الخروج منها .. لكننا أيضاً مارسنا أحياناً التراخي والتجاوز عن كثير من الحقائق حتى كانت الأمور تستفحل فتحتاج إلى الحسم. إن  علينا أن نتنبه أن أساليب الحسم السابقة لم تعد ممكنة وثمنها باهظ، ولكن الأساليب قد استجدت فأصبحت الديموقراطية الحقيقية، التي لا يستفرد بها طرف، ولا يستقوي بها اتجاه هي وسيلة الوصول إلى بر الأمان والمستقبل المشرق.   إن عناصر الإحباط موجودة، وفي مقدمتها الأزمة الاقتصادية الخانقة وما ترتب عليها من بطالة وفقر وعدم عدالة توزيع مكاسب التنمية، والفساد المتفاقم ادارياً ومالياً، والإدارة الحكومية التائهة، وتعدد مراكز القوى وتصارعها، وتزوير الإرادة الشعبية في الانتخابات النيابية والبلدية وغيرها. إن هذا التشخيص لا يجوز أن يعني ولا نقبل أن يؤدي إلى إنكار الانجازات الوطنية في مختلف الميادين التي تتجاوز كل التوقعات وكل القدرات الوطنية حتى بتنا نتفاخر عادة على أصحاب الثروات بارك الله لهم بها، ونفعنا من بركاتها.   إن هذه العناصر موجودة في كل الأوطان العربية، ولكن درجتها عندنا أقل وأضعف أثراً، ولذلك فإن مواقف الجماهير من هذه العناصر تختلف من بلد عربي لآخر. يضاف إلى هذه العناصر خاصية أردنية هي الرعب من المستقبل، وتعدد الهواجس الوطنية من جميع فئات الشعب من حل قضية الأمة على حساب الأردن وعودة الحديث عن الخيار الأردني والوطن البديل والحقوق المنقوصة والجنسيات وفك الارتباط وتجنيس أبناء الأردنيات. إن حديثي عن هذه الأمور هو تعداد لها وليس تحديد موقف فلي موقف من كل منها ليس هذا مجاله.   استشرف الأردن منذ مدة الواقع الوطني، ولذلك فقد تم طرح العديد من المبادرات والتوجهات الجديدة، كان التعبير عنها بشعار أحياناً: على قدر أهل العزم، والأردن أولاً، وكلنا الأردن وغيرها. وطرحت توجهات جديدة حول الشباب والمرأة والتربية والتعليم والدعوة الإسلامية عبر رسالة عمان وغير ذلك. صحيح أن التنفيذ لم يكن بمستوى الطموح، وجاء مخيباً للآمال أحياناً عند ترجمة التوجه الملكي إلى واقع تنفيذي.   وهنا جاء الربيع العربي، وموقفي هنا لا يتيح مجال توصيفه وتحديده، وإنما أكتفي هنا بالقول أنه قد حرك المياه الراكدة في كل المجتمعات العربية، وأبرز إلى العلن كل المظالم والشكاوى كما أبرز عناصر الاختلاف والتناقض في المجتمعات.   كان أثر الربيع العربي في الأردن حراكاً شعبياً سلمياً، وكان ذا أثر فعّال رغم محدوديته، وكان تعبيره منطقياً، وإن تجاوز القلة القليلة الحدود المنطقية. وعلينا الانتباه، وبخاصة القوى الوطنية الفاعلة، أن هناك قوى محلية وإقليمية ودولية تحاول ركوب الموجه، ولست هنا أعني تنظيمات وطنية، وإنما بعض الطامعين بالجولة القادمة أو المرعوبين من القادم وفي مقدمتهم الفاسدون وأشياعهم.   لقد أصبحت الحاجة ماسة للحوار الوطني، حواراً بين جميع الفعاليات، دون إقصاء أو تهميش، ودون استقواء أو استرضاء. حوار لتحديد المطالب التي تمثل القاسم المشترك الأعظم، وتحديد نقاط التوافق وحسمها، ونقاط الاختلاف والاستمرار في مناقشتها. ليس شرطاً أن ترضي مخرجات الحوار الجميع، ولكن لا يجوز أن يرفضها الجميع. ولا يجوز أن يكون للحوار شروطاً مسبقة وعندها يصبح رضوخاً لا حواراً. ويجب أن يكون سقف الحوار مفتوحاً، لا يتجاوز الثوابت الوطنية.   إن المطلوب برامج وطنية قابلة للتنفيذ، وعدم الاكتفاء بالشعارات على أهميتها. لقد تم تجاوز المطالب العامة إلى مطالب خاصة مكانية ووظيفية، وهي مطالب حقيقية وضرورية ولكن وقتها استقرار الأمور وتجاوز المنعطف التاريخي. لقد كبرت الصورة كثيراً وصار من الضروري تحديد إطارها، وإلا سيعجز الجميع عن الموجهة.   إن الإصلاح ضرورة وطنية لمواجهة التطورات والمتغيرات، وهي ضرورة مستمرة على الدوام لا تقتصر على وقت بعينه.   والإصلاح عملية متدرجة، والهدف من التدرج هو ضمان القدرة المجتمعية على الاستيعاب، وضمان القدرة على الإسهام في تغيير المستقرات من العادات والمفاهيم والقيم الوضعية، وكذلك فإن التدرج يحول دون الاستفراد بالسلطة سواء من الإدارة أو القوى المجتمعية ذات الأهداف الخاصة غير العامة أو رأس المال.   ومرتكزات الإصلاح، هي إرادة سياسية ظاهرة ومعلنة، وقناعة مجتمعية حول قاسم مشترك يحدده الحوار الوطني، وقدرة إدارية وسياسية على ترجمة أهداف الإصلاح إلى واقع معاش.   لقد جربت بعض القوى الانقلابية سبيلاً للتغيير وهتفنا لها، فإذا بالأمة تدفع ثمناً غالياً من حرياتها وحقوقها وديموقراطيتها وتنميتها، وكان الثمن أن الأنظمة الانقلابية كانت هدف الإسقاط في حراك الربيع العربي. أما الأنظمة التي حافظت على شرعيتها فكانت المطالب المحقة هي الإصلاح. وفي إطار التغيير المشروع تكون الطريق عبر مجلس الشعب ووسيلتها التشريعات.   لقد كانت انجازات الإصلاح في الأردن كبيرة ومتميزة وإن كانت لم تكتمل بعد. فالتعديل الدستوري والمحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للإشراف على الانتخابات وإدارتها والقضاء الإداري وقانون الانتخاب وقانون الأحزاب، بعضها قد أنجز والآخر على الطريق. علينا أن نشد على الإنجاز بالنواجذ، وأن نستمر بالمطالبة بالمزيد، وأن نلتزم ببعض الضوابط حفظاً لأمن الوطن واستقراره وفي مقدمة تلك الضوابط: • الموضوعية. • النقد الهادف. • البعد عن الإرهاب الفكري. • البعد عن الذم والتحقير. • حماية هيبة الدولة. • طرح البدائل الممكنة.   لقد أنجزت الحركة الإصلاحية الكثير مادياً ومعنوياً، فقد أصبحت كل السلطات تحت المجهر، وتعمل في النور، وخاضعة للتقييم. ولكننا في الوقت نفسه بدأنا نلمس آثاراً جانبية وهي من طبيعية الأمور، في مقدمتها الإدارة المرعوبة التي تعجز عن الانجاز لخشيتها من اتخاذ القرارات، ولأنها عرضه للتشويه والاغتيال المعنوي، وهناك آثار لم تتضح بعد على التنمية والاستثمار. هل في هذا دعوة للتوقف؟ كلا، ولكنها دعوة لإعادة النظر في الأساليب فليس كل ما يلمع ذهباً.   هل لنا أن نرسم خارطة الطريق. نناقشها ونتفق عليها. أولاً: التوجه إلى ديموقراطية حقيقية توافقية بدايتها التعديلات الدستورية ومداها قوانين الإصلاح. نتفق على قانون انتخاب مرحلي يكفل سرعة انجاز انتخابات نيابية نزيهة، ويصبح المجلس القادم مرجعية لقانون انتخاب أمثل وتمهيداً للحكومات البرلمانية. ثانياً: أسلوب متميز في مكافحة الفساد والفاسدين، يصنع أجهزة تنفيذية كفوءة مؤهلة للملاحقة، ويجعل القضاء المرجعية، وتشكيل قضاء مستعجل لهذه الغاية. وأن تتولى جميع القوى الوطنية تقديم ما لديها من معلومات عن أي فساد إلى الادعاء العام مباشرة، فنتلافى كل المآخذ التي بدأت تدين الوطن بدلاً من إدانة الفساد. ثالثاً: أن تكون المواطنة مرجعية الحكم الرشيد، فتطبق بجدية مبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، مع مراعاة ذوي الحاجات الأشد أشخاصاً ومناطق، وعدالة توزيع المكاسب، وتجاوز سياسات الاستقواء والاسترضاء. رابعاً: ترسيخ الهوية الوطنية، وهي هوية واحدة جامعة، لا تقبل الإقصاء أو التهميش، أو الغمز أو الاتهامية، وفي الوقت نفسه تعزز الوطنية الصادقة بالاعتزاز بالوطن والدفاع عنه وأداء الواجبات، لصياغة جبهة وطنية واحدة، وأن لا تكون الهويات الفرعية نقيضاً للهوية الوطنية الأردنية وإنما عناصر إغناء لها فالتعددية ليست تقسيمية وإنما توحيدية. خامساً: الإسراع في تطوير الإدارة الأردنية، وإعادة السلطات لأدوارها، وإعادة هيكلة دوائر الدولة وتأسيس إدارة محلية جديدة تسهم في التنمية الشاملة. إن الإدارة هي العامل الحقيقي والناقل الصادق لتوجهات الدولة إلى الميدان وتنفيذها بشكل واقعي لمصلحة الوطن والموطن. سادساً: الانضباطية العامة، التي تعني سيادة القانون على الجميع، والالتزام الحرفي به، فلا استقواء لأحد على الدولة ولا توجد بؤر خارجة على القانون، ولا امتيازات خاصة لأحد لا ينص عليها القانون، ووضع حد للعنف المجتمعي والجامعي والاعتداء على الموظفين وغير ذلك من مظاهر التجاوز على القانون.   ورقة عمل قدمت خلال مشاركة دولة السيد عبد الرؤوف الروابدة في الندوة التي عقدها العالمي للوسطية بعنوان: آفاق الإصلاح في الأردن في ظل التحولات في المنطقة العربية.

إضافة تعليق جديد

HTML مقيَّد

  • You can align images (data-align="center"), but also videos, blockquotes, and so on.
  • You can caption images (data-caption="Text"), but also videos, blockquotes, and so on.