لقد جعل الله للنصر قوانين صارمة قاطعة جازمة حاسمة، لا تَحيد ولا تُحابي أحداً، ولو حابت أحداً لحابت محمداً وقد ترك أُحُداً بها سبعون من القتلى، ومثلهم جرحى، وآلامٌ جِسامٌ كادت تهدُّ الأجسام.
وأول القوانين والسنن: أن نعلم أن الدنيا مذ أبى إبليس السجود انقسمت إلى معسكرين: جند الله يقودهم الرسل، وجند الباطل يقودهم إبليس، والمعركة والعداوة حتمٌ مقضيٌّ بين الفريقين، والنصر فيها حَتمٌ ضروري لجند الإيمان: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ «كَانَ ضَعِيفًا» النساء:76.
ومن سنن هذا الصراع بين الحق والباطل، ومن قوانينه:
سُنَّة التدافع، ومداولة الأيام، ولئن كان جَرَيان الماء هو أساس صلاحه، ولولا تدافع الموج، ما تطهَّر الماء، ولتأسَّن، ولولا تدافع المجتمعات لتأسَّنت الأرض: {وَلَوْلَا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} البقرة:251. وقد تكررت هذه السُّنة مرتين في سورة البقرة وسورة الحج؛ لتأكيد أهميتها.
ولقد قرأت للكاتب والفيلسوف والمؤرخ الفرنسي (غوستاف لوبون) في كتابه: «السنن النفسية لتطور الأمم»، ما يكاد يكون استنساخاً دقيقاً للآية الكريمة. يقول ما معناه: «إن الحرب ليست شرّاً كلها، وإن ضريبة السلام قد تكون أكثر تكلفة من ضريبة الحرب، وإن المجتمعات إن لم يحصل بينها التدافع من خلال الحروب وقعت في حالة من الركود أشبه بالموات». (أ.هـ).
أقول: ومن هنا كُتب القتال على المؤمنين في الكتاب العزيز ليدفعوا عن أنفسهم قانوناً حتميّاً هو: التدافع بالقوة، فمن ملك القوة لن ينتظر الآخرين حتى يمتلكوها، بل سيُسارع إلى صصاستخدامها لفرض إرادته عليهم، ولذا قال الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ .البقرة:216.
إن السلام حُلُم منشود، والأمم السادرة في بحر الأماني هي التي تفترض هذا الخيال على الواقع الحتمي وهو التصادم، من هنا كان الإعداد والاستعداد ضرورة لدفع العدوان لا لإيقاع العدوان.
ومن سُنَّة الله في الصراع بين الحق والباطل: أنَّ الباطل يبدأ قويّاً منتفشاً متطاولاً، ويبدأ الحق متواضع الإمكانات، محدود القدرات؛ مما يجعل الرائي لا يتوقع النتائج، ومما يُغري أهل الباطل بالتمادي، وتحدي الحق، {لِيَقْضِيَ الله أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًاالأنفال:42. ليحتدم الصراع، وتكون القاصمة للباطل، ويكون النصر المؤزر في نهاية الصراع للحق، والجولة الأخيرة دائماً له في صراعه مع الباطل وقُوى هذا الباطل.
على أن الباطل الزَّهُوق له سُنَّة في زهوقه، هي ما أُسمِّيه أخذاً من النص القرآني: «قطع الأطراف» وصولاً إلى المحق الكامل، والإنهاء الشامل للباطل. واستمع إلى النصوص بهذا الخصوص:
يقول الله تعالى في سورة آل عمران (سورة غزوة أحد): لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} آل عمران:127. وفي سورة الرعد التي من محاورها: تجلية صورة الحق والباطل في صورة الزبد والماء، والحق الباقي، والباطل الزائل الذي يذهب جُفاءً، في هذه السورة قال الله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا والله يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ الرعد:41.
وفي سورة الأنبياء قال الحقيقة عينها والسُّنَّة نفسها والقانون ذاته: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ الأنبياء:44.
إن هذا النص ليس نصّاً في الإعجاز العلمي كما حاول البعض أن يفسِّره، بل هو أعظم من ذلك؛ إنه قانون تفكُّك الحضارات، وقانون إمحاء الباطل.
إن الامبراطوريات تتفكك بانتقاصها من أطرافها، ولذلك تحرص الامبراطوريات على توسيع الأطراف وتمُّددها وزيادتها؛ لأن في ذلك حماية للقلب أو للمركز؛ فأمريكا الآن تقاتل في أفغانستان حماية لواشنطن كما يزعمون، فهي تحرص على تباعد وتمدد وتوسع الأطراف حماية للمركز. ولكنَّ وَهْنَ القلب سيكون عن طريق النَّزف في الأطراف.
إنه قانون قطع الأطراف. وكما أن نمو الأطفال لا يلحظه أهلوهم لبطء تدرجه، وكذلك دبيب الشيخوخة لا يلحظه صاحبه ولا مجاوروه ومعايشوه إلا بعد تراكم السنين. كذلك ضعف الحضارات، يدب دبيب الوهن والتراخي بطيئاً، وغالباً غير محسوس ولا ملموس، فإذا تراكم بانت آثاره وتجلَّت لكل ذي عينين.
وأُشبِّه ذلك بحلقات مصارعة الثيران في إسبانيا. يبدأ الثور (أو الحضارة) بكامل طاقته مندفعاً مهتاجاً يقطع أرض الملعب بعنفوان وقوة، وتبدأ الخناجر تنغرز في ظهره، ويبدأ النـزف، ويبدأ دبيب الوهن في الأوصال إلى أن يخرَّ صريعاً على الأرض أو مُنهكاً هَدَّه الإعياء. كذا الحضارات.
جريدة الدستور: 13/04/2012
سنن النصر في القرآن