اجرى الحوار : الأستاذ ياسر ابو حسين
السؤال الاول
1- هل لمعاليكم التكرم بتلخيص أسباب الربيع العربي؟
في السابع عشر من ديسمبر في خواتيم العام 2010 وبواكير العام 2011 إنطلقت شرارة ثورة التغيير في جمهورية تونس ومنها الي مصر وليبيا ومن ثم تجاوزت ثورة التغيير الشمال الافريقي لتنتقل الى جنوب الجزيرة العربية وشمالها في اليمن وسوريا لتخلق مداً جماهيرياً قوياً وتيار تغيير منطلق سمي بالربيع العربي وما كان لهذا الربيع ان يكون لولا توفر اسباب قوية وملحة دعت الشعب العربي للنهوض من سباته للتحرك ثائراً في وجه أنظمة تحكمت في مصيره وتوجهاته لفترات طويلة ومن أهم هذه الاسباب:
1- الديكتاتورية والإستبداد والظلم.
2- إتباع الاسالبيب القمعية في حكم هذه الشعوب.
3- ضيق هامش الحريات الممنوحة.
4- إتساع الهوة بين الحكام والمحكومين.
5- التبعية المذلة والإنقياد الاعمي للغرب .
6- إنفراد فئة قليلة بحكم هذه الشعوب ولعقود من الازمان.
7- اتباع نظام الدول البوليسية مما ولد الاحساس بعدم الامان وسط الشعوب العربية .
8- العمل على توريث الحكم بالإلتفاف على القوانين والدساتير وإستحداث مواد جديدة فيها لتقنين توريث الحكم في هذه البلدان
9- الفساد بشقيه المالي والاداري
10- غياب الديمقراطية وعدم السماح بقيام أي انتخابات من أجل إنتخاب حكومات جديدة والإنتخابات التي تتم تكون شكلية ويكون الفوز فيها محسوماً للحكومة القائمة وبنسب خرافية تصل أحيانا الى 99%.
11- عدم القبول بمبدأي الاختلاف والمناصحة واللذان لا يتوفران الا في حال وجود كيان معارض ومعترف به من الدولة وتكون له كتلة داخل البرلمان وهذا غير مسموح به في ظل هذه الانظمة.
12- تنامي الرغبة في التغيير وسط الشعوب العربية.
13- ظهور تيارات إسلامية معتدلة في العالم الاسلامي في ظل حكومات علمانية مستبدة ووجود مناصرة شعبية كبيرة شجع على إحداث تغيير سريع ومباغت.
14- وفرة وتطور وسائط الاتصال .
15- ارتفاع الوعي وسط الاجيال الحديثة وذهاب جيل النكسة.
كل هذه العوامل آنفة الذكر كان لها الأثر المباشر في إحداث التغيير في الخارطة السياسية العربية وفي فترة وجيرة .
السؤال الثاني
هل تتوقعون ان يستمر الربيع العربي لمدة طويلة وان يمتد الى دول غير عربية؟
إن رياح التغيير التي هبت على المنطقة العربية اصبحت ملهمة ونموذج لتيارات يتوقع حدوثها في إي زمان ومكان إذ أن مثل هذه التيارات لايمكن التنبؤ بها ولا بوجهتها عربية كانت او عالمية ولكن من خلال القراءة السليمة للواقع السياسي والاقتصادي وكذلك هوامش الحريات الممنوحة وقضايا حقوق الانسان وغيرها تجعل من الممكن الإحساس والتنبؤ بها ولكن استمرار هذا التيار من عدمه تحدده عوامل عدة اذكر منها :
1- حجم التحول والاصلاحات التي ستحدث في الانظمة السياسية 0
2- مدى ضيق واتساع هامش الحريات0
3- مدى الإعتراف بالآخر وفتح قنوات التواصل بين الانظمة والجماعات المعارضة
4- مدى الهوة بين الحكام والمحكومين والعمل على ردمها والنزول الى القواعد .
5- مدى الابتعاد عن العنجهية وحكم العصا.
6- مدى الإعتراف بالديمقراطية كأسلوب أمثل للحكم الأمر الذي يمكن من إتساع المشاركة والإحتكام لصوت الأغلبية مهما كانت توجهاتها الأيدولوجية والدينية والفكرية والعرقية وغيرها.
7- مدى توفر الثقة بين الحكام والشعوب.
8- مدى إستقلالية القرار لهذه الانظمة وعدم التبعية والخنوع لاي جهات اخرى من شأنه رفع مستوى الحس القومي والفخر والكرامة وسط الشعوب.
9- حجم الإصلاح الاقتصادي وتوفير سبل العيش الكريم للشعوب.
10- إحترام حقوق الانسان وكرامته.
فإذا لم تتوفر العوامل أعلاه فإن الربيع العربي كتيار تغيير لن يتوقف خصوصاً وأن العالم أصبح مهيئاً أكثر من أي وقت مضى للتغيير فالأزمة المالية العالمية قد القت بظلالها على الوضع الإقتصادي العالمي كساداً وتراجعاً وصراع موارد لم تسلم منه حتى الدول الكبرى مما جعل شعوبها تتململ مع نفاذ صبرها في إنتظار إحداث إصلاحات ومعالجات إقتصادية سريعة وإلا فإن طوفان الثورة لن يتوقف وباتت نذر التغيير تلوح فعلياً في الأفق الاوروبي وما اليونان وإيطاليا إلا دليل على ذلك .
السؤال الثالث
هل السودان في منأى عن الربيع العربي وهل بذور هذا الربيع العربي موجودة في السودان؟
كما ذكرت آنفاً إن الثورات لا يمكن التنبؤ بها ولا بإتجاهاتها لذا لا أستبعد حدوث التغيير في اي بقعة في العالم بما فيها السودان إذ أن التغيير هو ديدن الوجود تمضي أنت ليجيء غيرك ويمضي ليجيء آخر وهناك مقولة مشهورة تقول ( لو دامت لغيرك لما آلت اليك) لكن هناك معطيات وإرهاصات تسبق مثل هذه الثورات ولا تخفى على لبيب فالشعوب وفي ظل الثورة المعلوماتية والتطور التقني في وسائط الاتصال والتكنولوجيا أصبحت اكثر تحرراً من القيود الأمنية والسياسية التي تفرضها الأنظمة فهناك حكومات موازية للحكومات الفعلية لكنها في العالم الافتراضي عالم الانترنت وشبكاته المختلفة فقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي ( الفيس بوك- تويتر- الاسكاي بي – المسنجرز والايميل وغيرها) أصبحت بمثابة ميادين تمارس فيها هذه التنظيمات انشطتها التنظيمية بعيداً عن أعين الاجهزة الامنية والشرطية والدليل على ذلك أن التغييرات والثورات التي حدثت في المنطقة كانت مفاجئة للكثير من المراقبين والمختصين الذين إندهشوا لسرعة التغيير وزوال انظمة كانت أقل ما توصف به القبضة الحديدية على مقاليد الأمور فإنحطام هذه الأنظمة الباطشة والمرعبة بهذه السرعة يؤكد بما لايدع مجالاً للشك على أن هناك عمل تنظيمي ضخم تم في الخفاء بعيداً عن أعين الاجهزة الامنية المرعبة في هذه الدول وبتنسيق دقيق ومحكم عبر هذه الوسائط الاتصالية الفاعلة والتي أثبتت خطورتها الأمر الذي جعل بعض الأنظمة المرتعبة تفكر في فرض رقابة على مثل هذه الوسائط بل وحظرها خوفا من إنتقال حمى الثورات إليها.
وعن الوضع في السودان فهناك إصلاحات تتم وبصفة مستمرة ليس خوفاً من الثورات وإنما من أجل الوصول الى صيغة حكم وإدارة مثالية في بلد عانى كثيرا من الخلافات والحروب رغم ما يتمتع به من موارد ضخمة وقد شمل الإصلاح الآتي:
1- الحريات فهناك مساحة كبيرة للحريات ( الفكرية والعقدية والانتماء والمعارضة وإبداء الرأي وحرية الصحافة) لكن وفق ضوابط إخلاقية ودينية لا حياد عنها فحرية الفرد تنتهي حينما تبدأ حرية الآخرين.
2- كفلت الدولة حق المعارضة للانظمة السياسية الأخرى، نقداً وتوجيهاً وكفلت لها حق ممارسة الأنشطة السياسية من ندوات وليالي سياسية وفكرية بعيدأ عن التأليب والدعوة إلى العنف والتخريب وإستخدام السلاح.
3- انشاء مفوضيات لرد المظالم واخرى للفساد مع اعطاء سلطة منزلة للمواطن من رئيس الجمهورية لمشاركة الدولة في التصدي للمظالم والفساد.
4- محاربة المحسوبية والوساطات .
5- تطوير الاجهزة الامنية والشرطية والقضاء وكل الاجهزة الامنية والخدمية
6- اهتمام الدولة بردم الهوة بين القيادة والشعب وذلك من خلال الطوافات واللقاءات الجماهيرية والمكاشفة بين الحكام والمحكومين
7- العمل على انشاء المشاريع التنموية الضخمة والتى أدت الى قلة نوعية في المجتمع السوداني كالطرق والجسور والسدود وإمدادات المياه والكهرباء.
8- مشاريع محاربة الفقر وحزم التمويل الاصغر.
إضافة إلى بعض العوامل التى اسهمت في توثيق العلاقة بين النظام والشعب مثل والمواقف القوية للقيادات السودانية ضد أي إعتداء أو تدخل في الشأن السوداني الداخلي وسرعة الرد والبت والحسم لكل الأفعال الاستفزازية ويظهر ذلك في إلتفاف الشعب السوداني حول السيد رئيس الجمهورية إبان ازمة المحكمة الجنائية .
والشعب السوداني يعتبر معلم للشعوب في الثورات ضد الظلم والإستبداد وهو شعب بعيد عن المحاكاة فهو يثور حينما يرى أن الثورة قد وجبت وحان أوانها لكنه لا يثور لثورة أحد فهو يتمتع بوعي سياسي عالي جداً وبمقدرة ذكية على القراءة والتحليل فهو يدرك تماماً الفرق بين الظروف المفروضة عليه والظروف الطبيعية والظروف المختلقة لذا نجد أن الشعب السوداني ظل يتحمل حصاراً إقتصاديا طال أمده وتفلتات أمنية في جنوب البلاد وشرقها وغربها وتقلبات إقتصادية مازالت قائمة إلا أنه ظل صامداً ومقدراً لعلمه التام أن هذه الظروف قد فرضت عليه ثمناً لإستقلاليته وكرامته فالشاهد يقول أن هناك انحيازاً جماهيرياً كبيراً وهذا يصب في مصلحة الدولة إستقراراً وأمنا رغم رهان البعض على ثورة سودانية قادمة.
السؤال الرابع
ماذا تتوقعون من الحركات الإسلامية التي تولت الحكم في بلدان الربيع العربي؟
لاشك أن وصول الحركات الإسلامية لسدة الحكم في دول الربيع العربي يصب في مصلحة العالم الإسلامي والمنطقة العربية مما يعني صحوة إسلامية على المستويين الشعبي والرسمي أيضاً وهذا الأمر لم يكن ممكنأ في السابق إذ أن اغلب الأنظمة العربية كانت أقرب للعلمانية منها للإسلامية في ظل وجود شعوب متعطشة للحكم الإسلامي وهذا لعمري يخلق تحالفات إسلامية قوية وقيادات واعية ومنحازة لنبض الشارع العربي والذي ظل يتوق لصحوة إسلامية بعدما سئم الأنظمة العلمانية والديموقراطيات الشائهة والديكتاتوريات البغيضة والتي جثمت على صدر الأمة الإسلامية لآماد طويلة مما أقعد الأمة عن النهوض والإنطلاق واللحاق بالعالمين نمواً وتطورًا لذا أتوقع النجاح لهذه الحركات في قيادة شعوبها وبناء دول قوية مبنية على العدل والعلم والعمل فهذه الجماعات يعول عليها بناء الإنسان وإحترام حقوقه وحريته وكرامته وإظهار الروح الإسلامية في التوجه ومسح الصورة المشوهة للانظمة البائدة . إلا ان هذه المهمة ليست من السهولة بمكان ففي حقيقة الأمر أن هذه الحركات الإسلامية ليس لديها تجربة حقيقية في العمل السياسي والحكم إذ أن تجربتها السياسية إقتصرت على المعارضة إبان الانظمة البائدة وبعضها كان محظوراً ولكن ليس الأمر مستحيلا فهناك تجارب اسلامية ناجحة يمكن الاستفادة منها كالسودان وايران وماليزيا واندونيسيا وحتى تركيا فيجب عدم الإستسلام للعقبات والتى من المؤكد سوف تواجهها في بداية الطريق في شكل ضغوط على المستويين الداخلي والخارجي وأيضا يتوقع تدخل الغرب في شكل منظمات وجماعات ضغط ومؤسسات حقوقية من اجل تغيير هوية هذه الثورات العربية الإسلامية والعمل على تغيير وجهة الحكومات القادمة وإستخدام الترغيب والترهيب من أجل ضمان حكومات لا تهدد الكيان الصهيوني والمصالح الغربية في المنطقة ليستمر مسلسل الخنوع والإنقياد إلى الغرب .
فيجب أن تستفيد هذه الحركات من قوة الدعم الشعبي وتسخر الطاقات الشبابية في بناء الدول والتصدي لكل المعوقات التي تواجهها فالسند الشعبي هو صمام أمان وضامن رئيسي لنجاح هذه الحركات في قيادة الأمة الاسلامية .
السؤال الخامس
ماهو دور الوسطية والتيار الوسطي في توجيه رياح الربيع العربي؟
ما بين الإفراط والتفريط تأخد الوسطية لها مكاناً بمنأى عن التطرف الصارح والاستسلام والتساهل فالوسطية هي موضوع الرسالات السماوية وروح الحضارات البشرية الخالدة فعلى الوسطية بنت الحضارة الاسلامية مجدها قبل أن يضيع في عهود التساهل والخنوع فهي يجب ان تكون ديدن الحركات الاسلامية... فالتيار الوسطي هو مرجعية تأصيلية راسخة وستكون نواة لتيار اسلامي قادم ... إسلام حقيقي يكون نظام حياة يقر الحوار ويرفض العنف يعترف بالآخر ولا يلغيه يحمله المسلم بين جنباته حلاً وترحالاً في الحركات والسكنات وفي المعاملات والمظهر والعهود والتزاماً أخلاقياً (( أن يكون خلقه القرآن )) مع إقرار اهمية العلم وقدسية العمل وتحقيق الاخوة الاسلامية من غير حدود جغرافية او جنسية أو عرقية او لغوية إحقاقا لقوله تعالى(( إنا جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً )) لتنصهر الشعوب الاسلامية في بوتقة الامة الواحدة الرشيدة والتي تتحقق عندها الوحدة وتذوب عندها النعرات والحمية وتتكسر لقوتها شوكة الاعداء فتعلو كلمة لا اله الا الله ومن ثم الإنطلاق قوة وعدلاَ ... فالوسطية هي روح هذه الثورات العربية المعتدلة وهي أساس متين إنشاء الله لتيار وسطي غالب في المستقبل القريب وما ذلك على الله بعزيز فأثرها واضح على التيارات الاسلامية المعاصرة بما فيها الربيع العربي.
5-4-2012
المنتدى العالمي للوسطية بحديث مع معالي الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل