التعليم الديني في تركيا

رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان يتحدث للبرلمان التركي    " أنا تركي نزيه، عامل كادح. مبادئي تقول إن من واجبي أن أحمي الأصغر مني، أحترم الأكبر مني، أحب وطني اكثر مما أحب نفسي. مثلي الأعلى هو أن أكبر وأتقدم. ليت حياتي تكون مكرسة لوجود تركيا" – هذه هي صيغة التصريح الذي تضمنه خطاب كمال أتاتورك الى الشبيبة، في العام 1933، والذي يلزم كل تلميذ في المدارس ان يقوله مع بداية اليوم الدراسي. الوطن فوق كل شيء وليس للدين مكان في المدارس. هكذا قضى أتاتورك، وهكذا أمر الجيش الحكومة في الإنذار الذي طرحه على رئيس الوزراء نجم الدين أربكان في 1997.     في أعقاب هذا الإنذار قرر أربكان الذي كان يترأس حزب الرفاه الإسلامي، الاستقالة. كان هذا هو الانقلاب العسكري الاخير في تركيا. بدون الضباط الذين يستولون على الحكم مثلما في الانقلابات السابقة وبدون سفك دماء.    هذه الايام يسوي أردوغان هذا الحساب مع الجيش. في قانون التعليم الالزامي الجديد الذي أقره البرلمان، بعد جدالات حامية الوطيس ترافقت ومشادات بالأيدي وخطابات معارضة استمرت 12 ساعة، تقرر الاصلاح في التعليم، والذي سيمنح اطفال تركيا إمكانية تعلم القرآن كموضوع خياري، ومن يرغب يمكنه أن يتعلم في المدارس الدينية، إمام – خطيب، منذ سن العاشرة مقابل القانون القائم الذي يسمح باختيار المسار الديني في سن 15.    القانون الجديد يمدد فترة التعليم الالزامي من ثماني سنوات – مثلما كان في إطار القانون السابق – الى 12 سنة، حيث انه في المرحلة الوسطى يمكن للتلميذ – أو ذويه – أن يختار اذا كان يرغب في أن يتعلم في مدرسة دينية، مهنية أو نظرية.    ظاهرا، يأتي القانون الجديد لتوسيع إطار التعليم وبناء بنية تحتية مهنية للاقتصاد التركي من خلال تعليم يبدأ منذ سن مبكرة. ولكن معارضيه، الذين يأتون من الدوائر العلمانية والليبرالية، يخشون من انه سيزيد بشكل كبير عدد التلاميذ الذين سيتوجهون الى المدارس الدينية ولاحقا سيحدثون الانقلاب الديني الذي يسعى اليه، بزعمهم، اردوغان. اما اردوغان من جهته فيصرح بأنه لن يلزم أي طفل بتعلم الدين: "فهل أحد ما سيجر الاطفال الى هذه الصفوف وهم يركلون ويصرخون؟ بالتأكيد لا". معارضوه يردون بأن الطريقة التركية، التي يعتزم اردوغان سحقها، ترمي إلى منع تسرب التلاميذ إلى المدارس الدينية وعدم توسيع حق الاختيار للتلاميذ وذلك لأن تركيا هي دولة علمانية من حيث تعريفها ودستورها وقف حتى الآن كالسور الواقي في وجه توسيع التعليم الديني.    وبالفعل، بعد أن أدى الجيش الى إقالة رئيس الوزراء أربكان وأمر بعدم السماح بالتعليم الديني دون سن 15، انخفض عدد التلاميذ في المدارس الدينية من 600 الف الى 60 ألفا فقط. وفي السنوات الأخيرة فقط عاد وارتفع، وهو اليوم يصل الى 300 ألف تلميذ في 540 مدرسة – أقل من 2 بالمائة من أصل نحو 18 مليون تلميذ.    معارضو القانون يشيرون الى أنه ليست الرغبة في تمديد عدد سني التعليم الالزامي هي التي تهم رئيس الوزراء، بل الايديولوجيا الدينية والثقافية. والدليل على ذلك يوجد، على حد قولهم، في مشروع القانون الاصلي (الذي لم يقر) والذي منح الأهالي إمكانية إخراج اطفالهم من المدارس بعد أربع سنوات تعليم ومواصلة تعليمهم في البيت. لو كان هذا المشروع أقر، فإن طفلات في عمر العاشرة او أطفال يحتاجهم أهاليهم كي يساعدوهم في نيل الرزق، سينهون تعليمهم ويعودون الى بيوتهم دون أن يتمكن احد من أن يراقب استمرار تعليمهم.    كل ما يعرض كحيوي في الاصلاح من قبل طرف ما يعرض كخطير من قبل الطرف الآخر: بينما يدعي اردوغان أن القانون الجديد بالذات سيسمح بتعميق المعرفة التي يتلقاها التلاميذ في إطار التعليم الالزامي - يرد معارضوه، بأن تعليم الدين لا يولد توسيعا للمعرفة بل انطواء ذاتيا. بدلا من تعلم اللغات، التكنولوجيا والمواضيع التي تؤهلهم للحياة الحديثة – سيتحول الأطفال الى تلاميذ أذكياء لا يمكنهم ان ينفعوا اقتصاد الدولة.    وكدليل على ذلك يعرض معارضو القانون معطيات من بحث اجراه البنك الدولي، وبموجبه 16 بالمائة فقط من أبناء 15 سنة يحققون علامات بمستوى مشابه أو أعلى من المتوسط في دول الـ OECD. استطلاع آخر أجراه SETA أحد معاهد البحث الهامة في تركيا، وجد أنه توجد "تذرية معرفة"، في أوساط شباب تركيا.  10 بالمائة منهم فقط سافروا الى خارج البلاد، و 41 بالمائة فقط يتحدثون لغة اجنبية، بينما في هذه النسبة يندرج عدد الشباب الذين يتحدثون الكردية أو الغربية كلغة أجنبية، وليس لغة اوروبية. حسب الاستطلاع، مشاهدة التلفزيون هي نشاط وقت الفراغ الأساس للشباب حين يكون أساس نسبة المشاهدة نالها برنامج "وادي الذئاب" والذي توصف فيه اسرائيل والولايات المتحدة كدولتين شريرتين. قراءة الصحف أو الكتب عالقة في أسفل قائمة أولويات الشباب في كل ما يتعلق بالنشاط في ساعات الفراغ، وفي نهاية المطاف نحصل على جيل منطوٍ على نفسه لا يعرف ما يحصل في العالم ويصمم مذهبه الفكري حسب التلفزيون"، على حد قول عالمة الاجتماع نيلوفر نارلي من جامعة باشهير لصحيفة "حريات". التعليم الديني المفتوح، كما يقول معارضو القانون الجديد من شأنه أن يفاقم أكثر هذا الانغلاق.